وهبة الزحيلي

190

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ؟ أي أفلا تتدبرون وتتعظون ، فتؤمنوا باللّه وحده لا شريك له . ولا نظير ولا وزير ، ولا عديل له ، لا إله إلا هو ، ولا رب سواه . والمراد : حمل الناس على الإيمان باللّه إلها وربا ، يعبد وحده ، ويطاع لذاته ، فهو المستعان على كل أمر ، وهو المانع من السوء ، والجالب للخير والنفع ، والمحقق للمصلحة ، دون حاجة لأحد ولا لشيء ، لذا قال مبينا الأمر بعد بيان الخلق : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [ الأعراف 7 / 54 ] . يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ أي يدبر أمر الكون كله في العالم العلوي والسفلي ، ثم يصعد إليه أثر الأمر وتنفيذه بواسطة الملائكة ، وهذا تمثيل لعظمة اللّه وامتثال المخلوقات جميعا لمراده وتدبيره ، كالحاكم المطلق الذي يصدر أوامره ، ثم يتلقى من أعوانه ما يدل على تنفيذها . فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ أي ترفع الأمور الحاصلة في الدنيا صغيرها وكبيرها إلى اللّه تعالى يوم القيامة ليفصل فيها ويحكم في شأنها ، ويوم القيامة مقداره ألف سنة من أيام الدنيا التي نعدّها في هذه الحياة . والمراد بالألف : الزمن المتطاول الذي هو في لغة العرب أقصى نهاية العدد . وفي موضع آخر وصف اللّه تعالى مقدار هذا اليوم بخمسين ألف سنة : فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [ المعارج 70 / 4 ] قال القرطبي : المعنى أن اللّه تعالى جعله في صعوبته على الكفار كخمسين ألف سنة ، قاله ابن عباس ، والعرب تصف أيام المكروه بالطول وأيام السرور بالقصر . وقيل : إن يوم القيامة فيه أيام ؛ فمنه ما مقداره ألف سنة ، ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 14 / 88